القرطبي

8

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : قل ينجيكم من ظلمت البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ( 63 ) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ( 64 ) قوله تعالى : ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ) أي شدائدهما ، يقال : يوم مظلم أي شديد . قال النحاس : والعرب تقول : يوم مظلم إذا كان شديدا ، فإن عظمت ذلك قالت : يوم ذو كواكب ، وأنشد سيبويه : بنى أسد هل تعلمون بلاءنا * إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا وجمع " الظلمات " على أنه يعني ظلمة البر وظلمة البحر وظلمة الليل وظلمة الغيم ، أي إذا أخطأتم الطريق وخفتم الهلاك دعوتموه ( لئن أنجيتنا ( 1 ) من هذه ) أي من هذه الشدائد ( لنكونن من الشاكرين ) أي من الطائعين . فوبخهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد ، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله : " ثم أنتم تشركون " . وقرأ الأعمش " وخيفة " من الخوف ، و ( قرأ ) ( 2 ) أبو بكر عن عاصم " خفية " بكسر الخاء ، والباقون بضمها ، لغتان . وزاد الفراء خفوة وخفوة . قال : ونظيره حبية وحبية وحبوة وحبوة . وقراءة الأعمش بعيدة ، لأن معنى " تضرعا " أن تظهروا التذلل و " خفية " أن تبطنوا مثل ذلك . وقرأ الكوفيون " لئن أنجانا " واتساق المعنى بالتاء ، كما قرأ أهل المدينة وأهل الشأم . قوله تعالى : ( قل الله ينجيكم منها ومن كل ركب ) وقرأ الكوفيون " ينجيكم " بالتشديد ، الباقون بالتخفيف . قيل : معناهما واحد مثل نجا وأنجيته ونجيته . وقيل : التشديد للتكثير . والكرب : الغم يأخذ بالنفس ، يقال منه : رجل مكروب . قال عنترة : ومكروب كشفت الكرب عنه * بطعنة فيصل لما دعاني والكربة مشتقة من ذلك . قوله تعالى : ( ثم أنتم تشركون ) تقريع وتوبيخ ، مثل قوله في أول السورة " ثم أنتم تمترون " . لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص ، وهم قد جعلوا

--> ( 1 ) قراءة نافع . ( 2 ) من ك .